السيد هاشم البحراني
246
البرهان في تفسير القرآن
* ( فَهِيَ كَالْحِجارَةِ ) * اليابسة لا ترشح برطوبة ، ولا ينتفض منها ما ينتفع به ، أي أنكم لا حق لله تردون « 1 » ، ولا من أموالكم ، ولا من حواشيها « 2 » تتصدقون ، ولا بالمعروف تتكرمون وتجودون ، ولا الضيف تقرون « 3 » ولا مكروبا تغيثون ، ولا بشيء من الإنسانية تعاشرون ، وتعاملون . * ( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) * إنما هي في قساوة الأحجار ، أو أشد قسوة ، أبهم على السامعين ، ولم يبين لهم ، كما قال القائل : أكلت خبزا أو لحما ، وهو لا يريد به : أني لا أدري ما أكلت ، بل يريد أن يبهم على السامع حتى لا يعلم ما أكل ، وإن كان يعلم أنه قد أكل . وليس معناه بل أشد قسوة ، لأن هذا استدراك غلط ، وهو عز وجل يرتفع عن أن يغلط في خبر ، ثم يستدرك على نفسه الغلط ، لأنه العالم بما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ، وإنما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص . ولا يريد به أيضا فهي كالحجارة أو أشد ، أي وأشد قسوة ، لأن هذا تكذيب الأول بالثاني ، لأنه قال : * ( فَهِيَ كَالْحِجارَةِ ) * في الشدة لا أشد منها ولا ألين ، فإذا قال بعد ذلك : * ( أَوْ أَشَدُّ ) * فقد رجع عن قوله الأول : إنها ليست بأشد . وهو مثل أن يقول : لا يجيء من قلوبكم خير ، لا قليل ولا كثير ، فأبهم عز وجل في الأول حيث قال : * ( أَوْ أَشَدُّ ) * وبين في الثاني أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة ، لا بقوله : * ( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) * ولكن بقوله : * ( وإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْه الأَنْهارُ ) * أي فهي في القساوة بحيث لا يجيء منها الخير ، يا يهود ، وفي الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، فيجيء بالخير والغياث لبني آدم . * ( وإِنَّ مِنْها ) * من الحجارة * ( لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْه الْماءُ ) * وهو ما يقطر منه الماء ، فهو خير منها ، دون الأنهار التي تتفجر من بعضها ، وقلوبهم لا يتفجر منها الخيرات ، ولا تشقق « 4 » فيخرج منها قليل من الخيرات ، وإن لم يكن كثيرا . ثم قال الله عز وجل : * ( وإِنَّ مِنْها ) * يعني من الحجارة * ( لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه ) * إذا أقسم عليها باسم الله وبأسماء أوليائه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم ( صلى الله عليهم ) ، وليس في قلوبكم شيء من هذه الخيرات * ( ومَا اللَّه بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) * بل عالم به ، يجازيكم عنه بما هو به عادل عليكم ، وليس بظالم لكم ، يشدد حسابكم ، ويؤلم عقابكم . وهذا الذي وصف الله تعالى به قلوبهم هاهنا نحو ما قال في سورة النساء : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ) * « 5 » وما وصف به الأحجار هاهنا نحو ما وصف في قوله :
--> ( 1 ) في المصدر : تؤدون . ( 2 ) حواشي الأموال : صغار الإبل ، كابن المخاض وابن اللبون . « لسان العرب - حشا - 14 : 180 » . وفي المصدر : مواشيها . ( 3 ) قريت الضيف : أحسنت إليه . « الصحاح - قرا - 6 : 2461 » . ( 4 ) في « س » : تنشق . ( 5 ) النساء 4 : 53 .